Select Page

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر

استدراكات

بقلم: محمد أكرم الندوي

أوكسفورد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد

فالاصطلاح هو اتفاق قوم على معنى جديد للفظ مع مناسبة بينه وبين المعنى الأول، وأهل كل فن لهم اصطلاحاتهم التي يتعاملون بها، فلأهل النحو مصطلحاتهم كالإعراب والبناء، والرفع والنصب والجر، ولأهل الفقه مصطلحاتهم كالفرض والسنة والحرام والمكروه والمباح، ولأهل التفسير وعلوم القرآن مصطلحاتهم كالمحكم والمتشابه وسبب النزول.

وكذلك لأهل الحديث والأثر مصطلحاتهم، كـ “الصحيح” و”الحسن” و”الضعيف”، و”المرفوع”، و”الموقوف” وما إلى ذلك، وألفت كتب مصطلح الحديث لشرح تلك المصطلحات المتداولة بين أهل الحديث، ومن أهم كتب المصطلح كتاب (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (773-852هـ) صاحب التآليف النافعة، وأنفعها فتح الباري شرح صحيح البخاري، وقد درّستُ – والحمد لله – نزهة النظر في أوكسفورد ولندن وغيرهما من المدن مرارا مستوفيًا شرحه وبيانه، مع استدراك على الحافظ ابن حجر، بل وتعقب عليه في مواضع، فسألني بعض إخواني أن أجمع لهم هذه الاستدراكات والتعقبات، لعلها تساعد طلبة الحديث على تطوير فهمهم لهذا العلم، فكتبت هذه السطور استجابة لذلك الطلب رجاء أن تتمخض هذه المناقشات العلمية عن بعض تنقيح حول موضوع مصطلح الحديث، فأقول مستعينا بالله تعالى ومتوكلا عليه:

إن إجمال هذه الاستدراكات أربعة أمور:

الأول أنه اتبع منهج المتأخرين المتأثرين بالمنطق اليوناني في التعريف وتصنيف الأنواع في كثير من المواضع.

الثاني أنه أدخل فيه أشياء لا علاقة لها بمصطلحات أهل الحديث والأثر.

الثالث أنه عرّف بعض المصطلحات بغير ما هو معروف لدى أهل الحديث.

الرابع أنه ذكر أحكاما فاته تحقيقها، ولم يأت لها بدليل أو مثال.

وإليكم الآن تفصيل لهذا الإجمال متبعًا ترتيب الحافظ ابن حجر:

العلم الضروري والعلم النظري:

قال: “وهذا هو المعتمد أن خبر التواتر يفيد العلم الضروري، وهو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه”. (ص 44

وقال في ذكر المشهور: “وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو بكر بن فورك وغيرهما”. (ص 54

وقال في تعريف النظر: “ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يتوصل بها إلى علوم أو ظنون”. (ص 45

وقال في الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري: “إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال، والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة، وأن الضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر”. (ص 45

وقال بعد ذكر أن حديث الصحيحين يفيد العلم النظري: “وممن صرح بإفادة ما خرّجه الشيخان العلم النظري: الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحميدي، وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما”. (53

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “فقسموا العلم إلى ضروري ونظري، والنظري مستند إلى الضروري، والضروري هو الذي يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الانفكاك عنه. هذا حد القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره، فخاصته أنه يلزم النفس لزوما لا يمكن مع ذلك دفعه”. (فتاوى ابن تيمية 13/70

قلت: إن تقسيم العلم إلى الضروري والنظري من أردأ أقوال المنطقيين والفلاسفة ومن تبعهم من المتكلمين والأصوليين وأفسدها، وهو ناشئ من فهمهم الخاطئ لمصادر العلم، فما هذا العلم الذي يلزم نفس المخلوق لزومًا لا يمكنه معه الانفكاك عنه؟ قال الله تعالى: “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون”. (سورة النحل الآية 78)، خُلِق الإنسان وهو لا يعلم شيئًا، ولكنه أوتي وسائل العلم إلى جانب فطرته، ومن وسائل هذا العلم الحواس الخمس، والعقل، والوحي، فلم يكن لدى الإنسان علم حين خلق إلا ما أودع فطرته، ثم يتكسب العلم بالحواس الخمس والعقل والوحي.

فالتقسيم الحقيقي للعلم هو العلم الفطري والعلم الكسبي، والعلم الكسبي ينقسم إلى العلم الحسي، والعلم العقلي، والعلم السماوي الموحى إلى الأنبياء، وهذا التقسيم والترتيب كانا واضحين لدى المتقدمين من هذه الأمة، وتفصيله في موضع آخر.

العلم اليقيني:

قال: “الأول المتواتر، وهو المفيد للعلم اليقيني” (ص 44) وقال: “واليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق”. (ص 44

قلت: اليقين لا يتأتى من شيء في الخارج، فالرؤية مثلاً لا تتأتى بوجود المرئي وحده، بل لا بد أن يكون الرائي يملك عينا صحيحة، وأن لا يكون بينه وبين المرئي حجاب، وأن يكون قاصدا للرؤية، وأن يكون قد مارس وجرب رؤيته غير مرة، وكذلك كل نوع من أنواع العلم، فالعلم ليس عبارة عن كلمات ومصطلحات تحفظ معانيها، ولكن العلم عبارة عن ارتباط هذه الكلمات والمصطلحات بحقائقها، وعملية الربط بين الكلمات والمصطلحات وبين الحقائق عملية شاقة تمر بمراحل ما يسمى بعملية التجربة والخطأ process of trial and error.

فالعلم هو العلم الظني، لأن الحقائق مهما كانت مادية أو معنوية أكبر من كل إدراك ومن كل شرح، حتى إن إصبع الإنسان أكبر من كل ما يعلم المتخصصون عنها، وقد يمكن الإنسان أن يستوعب علم حقيقة من ناحية خاصة، ولكن هناك نواح أخرى لتلك الحقيقة يكون قد أغفلها ولم يدركها، أو لم يدركها الإدراك التام، فلن يتأتى اليقين في بداية قصد العلم، لأن اليقين لا يتعلق بالمعلوم، وإنما يتعلق بالعالم، والمعلوم مهما كان يقينيا لا يحصل اليقين به للعالم حتى يمر بمراحل كثيرة في سبيل العلم.

فطريق العلم أن يكون ما يقصد الإنسان تحصيله صحيحا، ثم يجد استجابة من فطرته لذلك العلم، ثم يقصد إدراكه بحواسه وعقله، فيحصل نوع من العلم، ويزداد بالممارسة والتجربة، فمثلا: يقرأ الإنسان قوله تعالى (أجيب دعوة الداع إذا دعان). وهو معلوم صحيح صادق يقيني، فيتوجه الإنسان إلى الدعاء، وبعد إعماله الدعاء مرارا يزداد علمه بالآية، قد يصل إلى اليقين وقد يبقى دونه.

ومن ثم كانت عناية المحدثين بصحة الحديث، لا بتواتره وشهرته، فإن الحديث إذا صح أصبح مقصودا للعلم، ويزداد العالم علما بتفهمه وفقهه والعمل به وما إلى ذلك.

فالعلم في بدايته ظني أبدا، ومن تمنى أنه لا يعمل بشيء حتى يحصل له علمه اليقيني فقد تمنى المستحيل.

التصنيف في اصطلاح الحديث:

قال: “فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي”. (ص 38).

قلت: كان ينبغي له أن يشير إلى من سبقه ممن تحدث عن مصطلحات هذا الفن كالإمام الشافعي في رسالته، ومسلم في مقدمته، والإمام الترمذي في علله. وقد أشار إلى ذلك في المجمع المؤسس له في ترجمة شيخه إبراهيم التنوخي حيث قال: قرأت عليه المحدث الفاصل… وهو أول كتاب صنف في علوم الحديث في غالب الظن، وإن كان يوجد قبله مصنفات مفردة في أشياء من فنونه، ولكن هذا أجمع ما جمع في ذلك في زمانه. (1/185-186(

قال: “لكنه لم يستوعب”. (ص 38(

قلت: ليس هذا القول في محله لأن الرامهرمزي لم يؤلف كتابه في المصطلح، إنما ألفه للفصل بين الراوي والواعي، يقول في المقدمة بعد ذكر حديث رواه بإسناده: “ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ناقل السنة وواعيها،  ودل على فضل الواعي بقوله: “فرب  حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه”. وبوجوب الفضل لأحدهما يثبت الفضل للآخر، مثال ذلك أن تمثل بين مالك بن أنس وعبيد الله العمري، وبين الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي، وبين أبي ثور وابن أبي شيبة، فإن الحق يقودك إلى أن تقضي لكل واحد منهم بالفضل، وهذا طريق الإنصاف لمن سلكه، وعلم الحق لمن أمه، ولم يتعده”.

فالكتاب كامل في موضوعه، وإن إلقاء نظرة على أهم عناوينه ليكفي دلالة على ذلك، قال الذهبي: كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وما أحسنه من كتاب، قيل: إن السلفي كان لا يكاد يفارق كمه، يعني في بعض عمره. (سير أعلام النبلاء 16/73).

قال بعد ذكر كتاب (معرفة علوم الحديث) للحاكم: “لكنه لم يهذب ولم يرتب”. (ص 38(

قلت: ما أبعد هذا القول من الصحة، وما أقربه إلى الخطأ، فإن كتاب الحاكم بين أيدينا، وهو من أفضل كتب الحاكم وأبدعها وأبلغها صنعا وإحكاما، وهو أول كتاب كامل في هذا الموضوع، وهو كتاب مهذب أحسن تهذيب، ومرتب أروع ترتيب، ولقد فسدت أذواق المتأخرين بالصناعات المستحدثة، فلم يستسيغوا ما لم يوافق مذهبهم، والقصة نفسها في النحو والفقه وأصوله وغيرها من علوم الإسلام، وما أحسن ما قاله ابن خلدون: “وقد ألف الناس في علوم الحديث وأكثروا، ومن فحول علمائه وأئمتهم أبو عبد الله الحاكم، وتآليفه فيه مشهورة، وهو الذي هذبه وأظهر محاسنه”. (المقدمة 1/254(

قلت: ابن خلدون ليس من أهل هذا الشأن، ولكنه رجل خبير بتاريخ العلوم وتطورها، فلم أستند إليه إلا لإبراز هذا الجانب من تأليف الحاكم.

المتواتر:

تحدث الحافظ ابن حجر عن المتواتر، وعرّفه، وذكر شروطه. (ص 41-43(

قلت: أهل الحديث لم يَعْرفوه، بل ولم يَعْرفه أئمة الفقه، وهو شيء دخيل، ولا فائدة فيه إطلاقا، بل الحديث المتواتر على حدهم غير موجود أصلا، ولم يذكره أحد في علوم الحديث قبل الخطيب، قال الخطيب في الكفاية: الخبر هو ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب، وينقسم إلى قسمين: خبر تواتر وخبر آحاد، فأما خبر التواتر فهو ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حدا يعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر، وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع على صدقه وأوجب وقوع العلم ضرورة. (الكفاية ص 16(

وقال ابن الصلاح في النوع الموفي الثلاثين معرفة المشهور من الحديث: “ومن المشهور المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، فإن كان الخطيب قد ذكره ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم، فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه. ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه”. (ص 453-454

قلت: وأما تمثيله بحديث “من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار” فلا أدري أي فائدة في كونه متواترا، وهل يتغير حكمه إن لم يكن متواترا، الذي يهمنا هو كونه صحيحا، وهو بيان لقول الله تعالى “ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا” (سورة الأنعام 21)، وأمثاله من الآيات الكثيرة في القرآن الكريم في التشنيع على الافتراء على الله وذم الكذب.

قلت: قد قسم العلامة أنور شاه الكشميري المتواتر إلى أربعة أقسام: تواتر الإسناد، هو تواتر المحدثين، وتواتر الطبقة كتواتر القرآن، وتواتر عمل وتوارث كالسواك والصلوات الخمس، وتواتر القدر المشترك، أي التواتر المعنوي، كتواتر المعجزات. (انظر مقدمة كتابه إكفار الملحدين في ضروريات الدين

قلت: فهذا التقسيم كذلك لا فائدة فيه، ولا يثبت به شيء، بل هو ناشئ من عدم استيعاب معنى الخبر والتاريخ، لأن التاريخ لا يثبت بتوارث شيء جيلا عن جيل، وكم من المعتقدات والعادات المتواترة بين الكفار والمشركين، وهي ظاهرة البطلان والكذب والافتراء على الله وأنبيائه.

فالصواب هو منهج المحدثين، وهو البحث عن صحة الحديث، فإذا صح الحديث وجب العمل به بتفاصيله التي ذكرها المحدثون والفقهاء

المشهور

عرّفه بما له طرق محصورة بأكثر من اثنين. (ص 46

قلت: المشهور بهذا المعنى ليس من مصطلحات المحدثين، وإنما شرط ابن حجر “بأكثر من اثنين” ليميزه من العزيز الذي سيأتي

فأهل الحديث لم يستعملوا المشهور بهذا المعنى أبدا، وليس المشهور من صناعتهم، ولم يقدم ابن الصلاح تعريفًا للمشهور، بل قال: ومعنى الشهرة مفهوم، وهو منقسم إلى صحيح كقوله صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات” وأمثاله، وإلى غير صحيح كحديث “طلب العلم فريضة على كل مسلم”. إلى أن قال: “وينقسم من وجه آخر إلى ما هو مشهور بين أهل الحديث وغيرهم كقوله صلى الله عليه وسلم “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” وأشباهه، وإلى ما هو مشهور بين أهل الحديث خاصة…

العزيز

قال: “وهو أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين”. (ص 47

قلت: لم يَعْرف أهل الحديث العزيز بهذا المعنى، نقل ابن الصلاح عن الحافظ ابن منده قوله: “الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبا، فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة واشتركوا في حديث يسمى عزيزا، فإذا روى الجماعة عنهم حديثا سمي مشهورا”.

فالغريب والعزيز والمشهور لاينظر في شيء منه من مبدأ الإسناد إلى منتهاه، وإنما ينظر إلى موضع بعينه في السند، فمثلا إذا تفرد راو بحديث عن الزهري، والزهري معروف بكثرة الرواة عنه، فهذا يكون غريبا، فإذا وجد له متابعان أو ثلاثة صار عزيزا، وإذا بلغ العدد جماعة سمي مشهورا.

قال: “وليس شرطًا للصحيح خلافا لمن زعمه، وهو أبو علي الجبائي من المعتزلة، وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث….” (ص 48

قلت: لا يومئ كلام الحاكم إلى ذلك أصلا، فإنه يقول: “وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زال عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتناوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة”. (معرفة علوم الحديث ص 242

فقوله “وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان” تفسير لزوال اسم الجهالة، وليس جزءا من تعريف الحديث الصحيح، ثم إن هذا الشرط ليس إلا لغير المعروفين من الصحابة، وأما من عرفت صحبته من وجه آخر فيخرج حديثه في الصحيح ولو لم يرو عنه إلا راو واحد إذا توفرت الشروط الأخرى، وقد أخرج الشيخان للصحابة الذين ليس لهم إلا راو واحد في صحيحيهما، فألزمهما من لم يمعن النظر في الأمر إخراج حديث صحابة آخرين ليس لهم إلا راو واحد.

ثم إن رفع الجهالة لا يعتمد على عدد معين، قال الحافظ ابن رجب: قال يعقوب بن شيبة: قلت لابن معين: متى يكون الرجل معروفًا إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء من أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: إذا روى عنه مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجاهيل. قال الحافظ ابن رجب: وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدا عنه. (ابن رجب: شرح علل الترمذي 377-378

وقد ناقشت الأمر في مقدمة شرحي لصحيح مسلم، ولله الحمد.

الغريب:

قال في تعريفه: “وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند”. (ص 50

قلت: لم يستعملوا الغريب في هذا المعنى، وإنما استعملوه بالنسبة إلى شخص معين في موضع من السند، وهو الراوي عن المعروفين بكثرة الحديث، كما سبق من بيان ابن منده

الخبر الصحيح:

قال: “وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته”

وقال ابن الصلاح في تعريفه: “الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العادل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا”.

وقال النووي: “هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة”. (ص 58

قلت: هذا التعريف لا ينطبق إلا على ما كان في الصحيحين من حديث الأصول دون المتابعات وغيرها، وهناك أحاديث صححها الشيخان خارج كتابيهما، وأحاديث صححها الترمذي وغيره مما ليس في الصحيحين، ولا ينطبق هذا التعريف عليها.

قلت: فالحديث الصحيح على ثلاث استعمالات:

الأول: أحاديث الصحيحين.

والثاني: أحاديث صححها الشيخان والترمذي وغيرهم من هذه الطبقة مما ليس في الصحيحين.

والثالث: أحاديث صححها من تأخر عنهم من أمثال ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وأمثالهم.

فإذا أطلق الصحيح في نهاية القرن الثاني والقرن الثالث عنوا به الاستعمال الثاني، وأما الأول فهو أصح الصحيح، وأما الثالث، فبعضه من الحسان والضعاف، بل والمنكرات  ودونها.

التفاضل بين الأحاديث الصحيحة:

قال تبعًا لابن الصلاح: “ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم”. (ص 62).

قلت: هذا ليس على إطلاقه، بل قد يكون حديث أخرجه أحدهما يترجح على ما اتفقا على إخراجه، فمثلا حديث جبريل اتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث عمر بن الخطاب، واتفق الحفاظ على أصحية حديث عمر، ومن ثم أخرجه مسلم أولا، وأردفه بحديث أبي هريرة، بل حديث عمر أول حديث في صحيح مسلم على الإطلاق، وقد تبعه على تقديمه الحفاظ.

وإنما لم يخرجه البخاري لأمر لا يقدح في صحته، وقد بينته في شرحي على صحيح مسلم.

وقال: “ثم يقدم في الأرجحية من حيث الأصحية ما وافقه شرطهما…. فإذا كان الخبر على شرطهما معا كان دون ما أخرجه مسلم أو مثله، وإن كان على شرط أحدهما فيقدم شرط البخاري وحده على شرط مسلم وحده تبعا لأصل كل منهما، فخرج لنا من هذا ستة أقسام تتفاوت درجاتها في الصحة، وثم قسم سابع وهو ما ليس على شرطهما اجتماعًا وانفرادا”. (ص 64

قلت: هذا افتراض محض، وليس ثم حديث على شرطهما لم يخرجاه، أو شرط أحدهما ولم يخرجه صاحب الشرط، وقد مشى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري على ذلك في كتابه (المستدرك على الصحيحين) فملأه بالأحاديث المعللة والشاذة والمنكرة، مع أنه هو القائل في موضع آخر: “إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما لزم صاحب الحديث التنقير عن علته ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته. (معرفة علوم الحديث ص 238-239

وقد أسهبت في بيانه في شرحي على صحيح مسلم.

وقال: “أما لو رجح قسم على ما هو فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح فإنه يقدّم على ما فوقه إذ قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقا.كما لو كان الحديث عند مسلم مثلا، وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر، لكن حفته قرينة صار بها يفيد العلم ؛ فإنه يقدم بها على الحديث الذي يخرجه البخاري إذا كان فردا مطلقا.وكما لو كان الحديث الذي لم يخرجاه من ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد كمالك عن نافع عن ابن عمر، فإنه يقدم على ما انفرد به أحدهما مثلا، لاسيما إذا كان في إسناده من فيه مقال”. (ص 65

قلت: هذه القطعة كلها تنظير محض من غير دليل، ولا تمثيل.

ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم:

قال: “فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد، وشرطه فيها أقوى وأشد” (ص 63

“أما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرة واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة” (ص 63

“وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عدداً من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم بخلاف مسلم في الأمرين وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم”. (ص 63

قلت: لا شك في رجحان البخاري على مسلم، ولكن لا يرجع ذلك إلى اختلافهما في شروط الصحة، فهما متفقان عليها، وإنما يختلفان أحيانا في تطبيقها على الأحاديث

فلا اختلاف بينهما في الاتصال، وقد عقد مسلم بابا مهما في مقدمة صحيحه للرد على قول مخترع حول مسألة الحديث المعنعن، فالمذهب المجمع عليه بين المحدثين حتى عصر الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن الحديث المعنعن محمول على الاتصال بثلاثة شروط: 1- أن يكون المعنعِن والمعنعَن عنه متعاصرين، 2- وأن لا يكون دليل بين على عدم الأخذ والسماع، 3- وأن لا يكون المعنعِن مدلسًا. ثم نشأ بعض من ادعى أن الحديث المعنعن لا تقوم به الحجة حتى يثبت اللقاء والسماع بين المعنعِن والمعنعَن عنه. فنهض مسلم رحمه الله تعالى للرد عليه لأنه قول مستحدث مخترع، ورده أتم رد ودحضه أبلغ دحض، فظن القاضي عياض ومن تبعه إلى يومنا هذا أن هذا الذي رده مسلم هو مذهب البخاري وشيخه علي ابن المديني، وهذا الظن لا يقوم على أساس، وقد بينته في شرحي على مسلم.

وكذلك لا اختلاف بينهما في العدالة والضبط، ولا يصح أن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددا، كما لا يصح أن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم. لأن الرجال المتكلم فيهم في صحيح مسلم أكثرهم أخرج لهم في المتابعات، وكذلك الأحاديث التي انتقدت في صحيح مسلم أكثرها في المتابعات، ولا يخفى أن المتابعات ليست على شرطه في الصحيح، ولعل أحاديث الأصول المنتقدة في صحيح مسلم أقل من الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري.

قول الترمذي: هذا حديث حسن صحيح

قال: “فإن جمعا أي الصحيح والحسن في وصف واحد كقول الترمذي وغيره حديث حسن صحيح، فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية”. (ص 66

وقال: “وإلا إذا لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معا على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر صحيح”. (ص 67

قلت: من نظر في كتاب الترمذي تبين له أنه لم يحصل له أي تردد، فإنه يطلق هذا الوصف على كثير من الأحاديث التي هي في غاية الصحة وهي في الصحيحين، وكذلك لا يطلق هذا الوصف باعتبار إسنادين

فإن قلت: فما الذي يعني الترمذي بالجمع بين الوصفين؟

قلت: إنه مشكل، ولعله أراد بالحسن معنى أعم، وهو ما عرّفه الخطابي الحسن به إذ قال: “الحسن ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله”. فالجمع بين الوصفين حينئذ متحقق

الشاذ والمحفوظ، والمنكر والمعروف: (ص 71-73

قلت: إطلاق الشاذ والمنكر عند أهل الحديث أعم مما ذكره الحافظ، وقد يطلق الشاذ في معنى المنكر، وبالعكس، وأحسن ابن الصلاح في النوع الثالث عشر والنوع الرابع عشر من مقدمته في ذكر معانيهما وأجاد، فليراجع

أما المعروف والمحفوظ فقلما يستعملان في هذا المعنى المقابل للشاذ والمنكر

المرسل

قال: “وهو ما سقط من آخره من بعد التابعي هو المرسل” (ص 82

وقال في التغاير بين المنقطع والمرسل: “فأكثر المحدثين على التغاير، لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق، فيستعملون الإرسال فقط”. (57

قال الخطيب: “أما المرسل فهو ما انقطع إسناده بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم”. (الكفاية ص 21

وقال الخطيب: “والمنقطع مثل المرسل، إلا أن هذه العبارة تستعمل غالبًا في رواية من دون التابعي عن الصحابي، مثل أن يروي مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر، أو سفيان الثوري عن جابر بن عبد الله، أو شعبة بن الحجاج عن أنس بن مالك”. (الكفاية ص 21

قلت: الفرق بين المرسل والمنقطع عند المتقدمين صعب جدا، وكذلك هذا الفرق بين الاسم والفعل المشتق، فقد استعمل مسلم في المقدمة “المرسل” و”الإرسال” بمعنى المنقطع والانقطاع، فمثلا يقول: “وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلاً يَحْتَجُّ بِهِ، قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ: لأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمَّا يُعَايِنْهُ وَلاَ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا عَلَى الإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ، فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ لأَدْنَى شَىْءٍ ثَبَتَ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ، فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِيهِ.

قلت: الراجح عندي أن المرسل هو المنقطع، وكان أول استعماله في عهد صغار التابعين ومن بعدهم، فقالوا مثلا: “أرسل سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم” فظن بعض الناس أن الإرسال هو رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر ليس كذلك، واستعملوا الإرسال فيما رواه إبراهيم النخعي عن عبد الله، وكذلك غيره من صغار التابعين ممن رووا عن الصحابة الذين لم يدركوهم أطلقوا على خبرهم كلمة الإرسال.

المضطرب

قال: “أو كانت المخالفة بإبداله أي الراوي، ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو المضطرب”. (ص 94

قلت: المضطرب عند المتقدمين هو الحديث المختلف فيه في إسناده أو متنه من دون النظر إلى الترجيح

الطعن بالبدعة

قال في تحقيق من يردّ حديثه ببدعته: “فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله” (ص 103

وقال ابن تيمية: “والشيعة لا يكاد يوثق برواية أحد منهم من شيوخهم لكثرة الكذب فيهم، ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح، فلا يروي البخاري، أحاديث علي إلا من أهل بيته كأولاده، مثل الحسن والحسين، ومثل محمد بن الحنفية، وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع، أو أصحاب ابن مسعود وغيرهم، مثل عبيدة السلماني، والحارث التيمي، وقيس بن عباد وأمثالهم، إذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن علي، فلهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم”. (فتاوى ابن تيمية 13/32

قلت: أمر البدعة صعب جدا، فقد أخرج الأئمة أحاديث قوم من أصحاب البدع في الصحيح، وقد وجد فيهم ما يوجب رد روايتهم، أخرج الخطيب عن علي بن المديني، قال: قلت ليحيى بن سعيد القطان: إن عبد الرحمن بن مهدي قال: أنا أترك من أهل الحديث كل من كان رأسًا في البدعة، فقال: كيف يصنع بقتادة؟ كيف يصنع بعمر بن ذر الهمداني؟ كيف يصنع بابن أبي رواد، وعدَّ يحيى قومًا أمسكت عن ذكرهم، ثم قال يحيى: إن ترك عبد الرحمن هذا الضرب ترك كثيرا. (الكفاية ص 128-129

وأخرج الخطيب عن علي بن المديني، قال: لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي يعني التشيع خربت الكتب. قال الخطيب: قوله “خربت الكتب”، يعني لذهب الحديث. (الكفاية 129

قلت: وقد أخرج الشيخان وغيرهما من أصحاب الأصول حديث عبيد الله بن موسى، وغيره ممن رمي بالبدع الغليظة، بل استشهد البخاري في صحيحه بعباد بن يعقوب الرواجني، وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة مخرجا لحديثه: حدثنا عباد بن يعقوب المتهم في رأيه الثقة في حديثه. (صحيح ابن خزيمة 2/376

فوثق ابن خزيمة عباد بن يعقوب الرواجني المتوفى سنة خمسين ومائتين في حديثه مع أنه متهم في دينه بشر ما يتهم به الروافض، قال محمد بن المظفر الحافظ، حدثنا القاسم المطرز، قال: دخلت على عباد بالكوفة، وكان يمتحن الطلبة، فقال: من حفر البحر؟ قلت: الله. قال: هو كذاك، ولكن من حفره؟ قلت: يذكر الشيخ. قال: حفره علي، فمن أجراه؟ قلت: الله. قال: هو كذلك؟ ولكن من أجراه؟ قلت يفيدني الشيخ، قال: أجراه الحسين، وكان ضريرا، فرأيت سيفا وحجفة. فقلت: لمن هذا؟ قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي. فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال: من حفر البحر؟ قلت: حفره معاوية – رضي الله عنه – وأجراه عمرو بن العاص، ثم وثبت وعدوت فجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله، فاقتلوه. قال الذهبي بعد إخراج هذه القصة: إسنادها صحيح. وما أدري كيف تسمحوا في الأخذ عمن هذا حاله؟ وإنما وثقوا بصدقه. (سير أعلام النبلاء 11/538

معرفة النسخ:

وقال عند ذكر الأمور التي يعرف بها النسخ: ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر، كقول جابر: “كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار”. (ص78

قلت: أخرجه غير واحد، منهم أبو داود قال في الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار: حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قربت للنبي صلى الله عليه وسلم خبزا ولحما فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به ثم صلى الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ. ثم قال أبو داود: حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار . قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأول.

فاللفظ الذي نقله الحافظ ابن حجر مختصر كما ذكره أبو داود، والحديث في قصة المرأة التي صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر، ثم أكل منها وصلى العصر، فلعل وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة، ومن ثم قال أبو داود وغيره: إنما المراد بالأمر هنا الشأن والقصة، لا مقابل النهي.

قلت: وعلى هذا القدر أقتصر، وإن كان ثمة أشياء أخرى مماثلة مما استدركت على الحافظ في دروسي، وليس ذلك طعنا فيه، فهو عندي أجل المتأخرين علما وفضلا وفهما وفقها لهذا العلم، وإنما نشأ بعض ذلك الوهم والخطأ لاتباعه غيره، أو لغلبة العلوم الصناعية على المتأخرين مما سبقت الإشارة إليه.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين