Select Page

 من علَّمَك الخوف؟

بقلم: محمد أكرم الندوي

قالوا: ما معنى الخوف؟

قلت: هو الخوف من الله تعالى: سخطه وغضبه في الدنيا والآخرة، والقيام بين يديه، والنار.

قالوا: ولِمَ نخاف الله وهو الرؤوف الرحيم، وهو أرحم بنا من أمهاتنا؟

قلت: أترضون أن تعصُوا أمهاتكم فتُحرَموا ما يحملن لكم من حب وحنان وشفقة ورحمة؟

قالوا: لا،

قلت: فالخوف من الله تعالى أن لا نعصيه فنُحْرَم محبته وحنانه وشفقته ورحمته،

قالوا: أو ليس ربنا غفَّارا للذنوب توَّابا؟ فإذا استغفرناه غفر لنا، وإذا تبنا إليه تاب علينا، فما لك تحذِّرنا منه هذا التحذير؟

قلت: إن العبد الصادق إذا عصى مولاه استحيا أن يواجهه ولو أنعم عليه مولاه بالعفو والصفح. كان الأسود بن يزيد رحمه الله مجتهداً في العبادة: يصوم، حتى يخضر جسده ويصفر؛ وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد؛ فلما احتضر: بكى؛ فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: مالي لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟ والله، لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل: لهمني الحياء منه، مما قد صنعته؛ إن الرجل: ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير، فيعفو عنه، فلا يزال مستحيياً منه. (حلية الأولياء 2/103).

قالوا: ما الذي يُعينُنا على إنشاء الخوف في نفوسنا؟

قلت: ذكر الموت، فإنه أكبر مجلبة وأقوى مدعاة للزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وهو هاذم اللذات وهاتك للستائر والغفلات، عن قتادة عن
مطرف قال: إن هذا الموت: قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيماً لا موت فيه. (حلية الأولياء 2/204)، وذكر الموت صلاح القلب، والغفلة عنه فساد القلب، عن سعيد بن جبير قال: لو فارق ذكر الموت قلبي: خشيت أن يفسد علي قلبي. (حلية الأولياء 4/279)، وعاودوا مقالي السابق عن الموت يحفزكم ويهزكم هزا.

قالوا: من تعلمت منه الخوف؟

قلت: أنا أبعد الناس عنه، ولو خفت الله لكانت حياتي غير حياتي، ولما تماديت في لهوي وباطلي تماديا، ولما تتابعت ذنوب مني على آثارهن ذنوب، وقد صبغت مفارق رأسي نوائب من الدهر وخطوب، ولكني أحب الخائفين مستمتعا بطيب أخبارهم وعجيب قصصهم في الخوف، راجيا أن يرزقني الله حظا منه ببركتهم،

قالوا: من أسوتك في الخوف؟

قلت: أسوة الناس في الخوف وعامة الفضائل أنبياء الله ورسله، ثم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسائر المتقين الأخيار، وسأصطفي لكم أنموذجا قد استهوى قلبي واستأسر نفسي، فكلفتُ به وَلوعا به شغوفا،

قالوا: من هو؟

قلت: هو الإمام الفقيه الزاهد سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (ت 161هـ)، كان رأسا في الخوف،

قالوا: دُلَّنا على معالم منه،

قلت: أقتبس لكم مما حكاه الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء:
قال يوسف بن أسباط: كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم، وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: نزل عندنا سفيان وقد كنا ننام أكثر الليل، فلما نزل عندنا، ما كنا ننام إلا أقله، قال: فضج سفيان لما طالت علته، فقال: يا موت، يا موت، ثم قال: لا أتمناه، ولا أدعو به. فلما احتضر، بكى وجزع،

فقلت له: يا أبا عبد الله! ما هذا البكاء؟ قال: يا عبد الرحمن، لشدة ما نزل بي من الموت، الموت والله شديد. فمسسته، فإذا هو يقول: روح المؤمن تخرج رشحا، فأنا أرجو. ثم قال: الله أرحم من الوالدة الشفيقة الرفيقة، إنه جواد كريم، وكيف لي أن أحب لقاءه، وأنا أكره الموت. فبكيت حتى كدت أن أختنق، أخفي بكائي عنه، وجعل يقول: أوه، أوه من الموت.
وقال يحيى بن يمان: عن سفيان: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون، ما أكلتم منها سمينا. ثم قال ابن يمان: ما رأيت مثل سفيان، أقبلت الدنيا عليه، فصرف وجهه عنها، وقال عبد الرحمن رسته: سمعت ابن مهدي يقول: بات سفيان عندي، فجعل يبكي، فقيل له، فقال: لذنوبي عندي أهون من ذا – ورفع شيئا من الأرض – إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت. وعن ابن مهدي، قال: مرض سفيان بالبطن، فتوضأ تلك الليلة ستين مرة، حتى إذا عاين الأمر، نزل عن فراشه، فوضع خده بالأرض، وقال: يا عبد الرحمن !ما أشد الموت.

قالوا: وددنا لو كان لنا نصيب من هذا الخوف،

قلت: فلندع ربنا أن يقسم لنا من الخوف ما يحجزنا عن معاصيه، ولنقاوم أهواءنا مناضلين مثابرين، فإن الهوى لعَنيد غلوب،

قالوا: وهل في شيوخك من عظُم خوفه متميزا بذلك بين أقرانه؟

قلت: كان فيهم من يخاف الله تعالى، غير أني فاتني أن أعنى بهذا الجانب من سيرتهم اعتناءا.

قالوا: لقد صحبت هذا العدد الكبير من الشيوخ آخذا منهم العلوم والفنون والآداب، مهملا ما لا ينبغي لمثلك إهماله ومتغافلا عنه هذا التغافل،

قلت: استغربتُ ذلك كما استغربتموه، بيد أني لقيتُ عالما شابا من الصالحين في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وغلبني أنه أوتي حظا من هذا الخوف، فوقع حبه في قلبي، وكلما رأيته أو أعدتُ ذكرياتي معه تجدد في نفسي أنه يخاف الله.

،قالوا: لقد استثرتَ فضولنا، فمن هو؟

قلت: أخاف أن أسميه فيسخط علي وينقطع ما بيني وبينه من الصفاء والمودة والمحبة والخلة،

قالوا: تُحَدِّثنا عن خوف الله وتخاف غيره؟

قلت: أخاف الله وأخاف من يخاف الله

قالوا: نراك طعَّانا فيمن يقول: أخاف الله وأخاف من لا يخاف الله، فما أشد قولَك وقول هذا القائل تشابها!

قلت: هذا الذي يخاف من لا يخاف الله قوله ساقط مرذول ومنكر مردود، وقد قال الله تعالى في كتابه المجيد: “إنما ذلكم الشيطان يخوِّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين”، وأما خوف من يخاف الله تعالى، فهو خوف أولياء الرحمن، فإذا غضبوا غضب الله، وكل خوف ناتج من خوف الله أو موصل إليه فمحمود كخوفنا من الموت أو الساعة أو النار.

قالوا: وددنا أن تسميه لنا فنزوره ونقتبس من سيرته،

قلت: يمنعني من ذلك أن أزكي على الله أحدا، أو أتسبب في ابتلائه، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، والرجل قد نفعتني صحبته، ويسوءني أن أجزيه شرا،

قالوا: فانعته لنا،

قلت: قد ينوب النعت عن التسمية، غير أني ذاكر لكم من مواقفه ما ينفعكم، رأيته حضر مجلسًا من مجالس العلم، ووقع الناس في بعض الشيوخ واحتد الجدال بينهم، فغضب عليهم وأنكر عليهم صنيعهم غير مكترث بمكانتهم وصداقتهم، وكذلك رأيته يسمع على بعض الشيوخ “الصحيح” إذ بالغ أحداث متهورون طعنا في جماعة من الجماعات الدينية مستقبحين لصوابها ومستحسنين لأخطاء غيرها، فثار غيرة لله تعالى وحمية، ودافع عن الحق دفاعا قويا، وألفيته من أبعد الناس عن الوقوع في أعراض الناس، وأكرههم للحوم العلماء أن تستباح أو يستلذ بها استلذاذا، فجزاه الله بوفائه، وأضعف له أضعافا في جزائه.

قالوا: زدنا،

قلت: اقرؤوا كتاب الله تعالى، وانظروا في سير الأنبياء عليهم السلام والصالحين ممن سلف، لعل الله يرزقكم خوفه، وجاهدوا في سبيل تحقيق هذا الخوف في نفوسكم، فهو النور الذي تنجلي به الظلماء، وبه يتيقظ المتيقظون والناس في غفلاتهم ساهون، وفيه نجاة السالكين الصالحين، وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أصل كل خير في الدنيا والآخرة: الخوف من اللَّه. (مجموع الفتاوى7/20).