Select Page

من علَّمك الرفق؟

بقلم: محمد أكرم الندوي

قالوا: ما معنى الرفق.

قلت: الرفق هو لين الجانب في القول والفعل، والمداراة والتلطف في التعامل، وهو أخو التأني والتثبت، وضده الخرق والعنف، والرفق له صفة سيولة الماء ورقته، يدخل في النفوس مرحَّبًا به ومحتفًى، وبدون عنف أو تقريع، والرفق أيمن نهجا، والعنف أشأم منحى، والرفق للمستصعبات مِران، والعنف والعجل للوصب والنصب مولِّدان، قالوا: ابتلينا بتفشي الغلظة والفظاظة في الناس بل في العلماء والشيوخ والقادة والزعماء.

قلت: صدقتم، فما أكثر ما يؤذيني إذ أرى العلماء قاسين متعنفين، لعانين فحاشين، أصحاب خرق معملي الشدة والقسوة في موضع الرفق واللين، وذوي فظاظة مفرطي الحدة والضراوة جامحةً ألسنتهم بالشتم وأيديهم بالبطش، فصاروا وصمة وشنارا على العلم وذويه، وسبة وعارا على الحكمة والحكماء.

قالوا: زدنا من بيان موضع الرفق وشرفه فنرسخ جذوره في نفوسنا ونثبت دعائمه في أوساطنا،

قلت: قد حث الله عليه في كتابه رافعا شأنه إذ قال لموسى وأخيه هارون عليهما السلام: “اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى”، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: “واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين”، وقال مادحًا له: “فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”. وأخرج مسلم عن جرير رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: “من يحرم الرِّفق يحرم الخير”. وأخرج مسلم أيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به”.

قالوا: لقد تظاهر القرآن والسنة على بيان خطره ورفعته، ومما يَسُرُّنا أن نرى فيك شيئا من هذا الخلق النبيل، فمن اتخذته أسوة لك فيه؟

قلت: هو شيخنا الحافظ المحدث الجليل والفقيه الكبير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى، جميل الوجه، باسم المحيا، حسن الهيئة، فارع القامة، مهيب الطلعة، متميزاً بأناقة المظهر وحسن الملبس وطيب الرائحة، متمثلاً للأخلاق النبوية، سريع الدمعة كثير العبرة، يفيض دمعه عند قراءة القرآن وذكر السلف، وسألته أن يلقي كلمة ونحن عند ضريح الإمام البخاري في خرتنك بسمرقند، فذكَرنا تذكيرا رقيقا، وبكى وأبكى، ويقول الداعية الكبير سعيد حوى: ولم أر بين علماء المسلمين ممن رأيت وقابلت من ينطبق عليه قول القرآن (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) إلا شيخنا محمد الحامد وشيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمهما الله.

قلت: ومما أنعم الله به علي أن أرشدني إلى شيخنا الجليل ووصلني به، فاستفدت من علمه وخلقه، ولعل أفضل ما أعجبني فيه هو رفقه وتأنيه، واتئاده في الأمور، اتخذ الرفق له رفيقا، ورحل فترحلت معه غضارة الرفق، وأقفرت المنازل من التأني، قالوا: بيِّن لنا بعض جوانب رفقه،

قلت: ألخصها لكم في خمسة جوانب
الأول رفقه في قوله، كان حلو الحديث، عذب المنطق، رشيق العبارة، قريباً من قلوب جلسائه، يأسرهم بطيب حديثه ويسر لهجته وسهولة أدائه ونعومة لسانه، إذا نطق وزن كلامه ونطق بكلام كأنه العسل، يستلذه السامع ويستزيده، ولم يكن ممن يهذر ويثرثر، فلا يبدي منطقه إلا عيوبه وهفواته.

والثاني رفقه في فعله، كان مهذب الأفعال في السراء والضراء، رفيقا في سلوكه وعوائده، في ملبسه ومطعمه ومشربه، وترتيب كتبه، ومماسة الأوراق والأقلام، ومباشرة الكتابة و التأليف.

والثالث رفقه في تعليمه، فالتعليم إذا اتسم بهدوء في الصوت وتؤدة أكثر تأثيرا وأبلغ نفوذا، وأدعى إلى الموافقة والقبول، بينما يستهيج الصوت الشديد معارضة وعنادا، ملك الشيخ قلوب تلاميذه محببا إليهم أثيرا برفقه وحسن خلقه، وفيهم من يخالفه مذهبا ورأيا، حكى لي أنه عبر عن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم بـ”المدينة المنورة” وهو يدرس في بعض الجامعات، فقام طالب، وصاح: المنورة بماذا؟ وظن أن الشيخ سيقول: المنورة بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيشغب عليه، فإذا بالشيخ قائلا له بكل رفق وأناة: المنورة بنزول الوحي، فانقطع السائل وعاد إلى مكانه واجما.

والرابع رفقه في تعامله مع الخلق مصافاة لهم ومودة، فكان يسيرا للناس غير متعنت، وحيياً كريما، يلاطفهم ويداريهم في صدق وعفاف، لايؤذي أحداً ولا يجافيه، وكان ظريفاً خفيف الروح يمازح جلسائه بالقدر المناسب، غير مواجه إياهم بما يشق عليهم، وإذا بدر منهم شيء لايوافق مقامه تغاضى عنه سمحا كريما.

والخامس رفقه مع مخالفيه حليماً كثير العفو والصفح وصائنا نفسه عما يدنسها من الخرق والطيش، فنال برفقه ما يعيا الرجال به، والقلوب متعلقة به والنفوس متوددة إليه، لقد وقع فيه من وقع بأقوال فاحشة غليظة لا تليق بشأن العلماء في مخاطبة بعضهم بعضا، فصبر عليها في رفق، وهو كالجبل الذي لا تحركه الرياح الشديدة، والسخيف كالعشب يحركه أدنى ريح، وذكر لي مرة صنيعهم
من غير تسميتهم، والحياءُ بادٍ على وجهه، مطبقًا للحديث الذي أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن يهود أتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: مهلًا يا عائشة، عليك بالرِّفق وإياك والعنف والفحش.

قلت: وكان من رحمة الله على الشيخ بفضل رفقه وحسن خلقه أن تمت له النعماء وخلد له الثناء، ودام ذكره مجدا وسناءًا، وصار قول الطاعنين فيه هباءًا، قالوا: لقد ملأت قلوبنا حبًّا لشيخك وإجلالا له،

قلت: وهو حقيق بأن يولى له الحب والتقدير والإجلال.

قالوا: فكيف نربي أنفسنا على الرفق؟

قلت: لا تكسب الفضائل إلا بالمجاهدات، فقاوموا أهواءكم، وجاهدوا نفوسكم، واقسروها على الرفق واللين في القول والعمل، ففي الرفق اليمن والحزم، واعلموا أن الخرق من العنف والزلل، وهو الفشل، ولو أن الناس تدججوا بكل سلاح فتاك لطلب حاجة فلن يقضيها إلا المترفِّق، فإذا ما ساقكم الضر فاتئدوا، وللرفقُ أولى بالأريب وأحرز، وتذكروا ما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه.