Select Page

من علَّمك النظر؟

قالوا: ما هو النظر؟

قلت: النظر هو القياس، وهو الترتيب والترابط بين شيئين أو أمرين، بين معلوم ومجهول، أو بين مفهوم وشبه مفهوم، والنظر الصحيح هو الناشئ من ترتيب صحيح وترابط دقيق بين القضايا المختلفة: أسبابها ومسبباتها، معلولاتها وعللها، مقدماتها ونتائجها، وأصولها وفروعها، بحيث يصبح المسار بين جميع العناصر والأجزاء واضحا جليًّا وثابتًا محكما، فإن أعوز المسارَ الوضوحُ والجلاءُ نَمَّ ذلك عن السعي الناقص في البحث عن الروابط بين العناصر والأجزاء، بل كان دليلا على التنضيد المختلّ الغبي والتنسيق الفاسد الوهمي للتصورات والقضايا، ويمكن أن يُشَبَّه هذا النوع من التفكير بالترابط الحاصل في الرؤيا، وهو ترابط شبه فوضى لا يؤدي معنى متكاملا متَّسِقا للنائم إذا انتبه، ولا تتولد المعاني الصحيحة المتَّسقة إلا باللجوء إلى جهد دؤوب في التفكير وتعب مُضنٍ في النظر.

قالوا: وهل النظر كله من جنس واحد؟

قلت: لا، النظر نظران: نظر العقلاء والحكماء بصفة عامة، ونظر المتخصصين في فرع من فروع العلم والمعرفة مثل نظر الفلاسفة والمتكلمين والأصوليين،

قالوا: ما الفرق بين النوعين؟

قلت: كلاهما هام وضروري، فالأول نحتاج إليه في كل مطلب من مطالب حياتنا وفي جميع ما يعنينا من أحوالنا وشؤوننا وهيئاتنا، والثاني نعتمد عليه في الفرع العلمي الخاص الذي ندرسه مميِّزًا إياه من غيره من الفروع، غير جامِعِين بين متفرِّقَين ونقيضَين، ولا مفرِّقين بين صِنوَين ومَثِيلين.

قالوا من تعلمت منه النظر؟

قلت تعلمته من شيوخ لي كثيرين، ولعل أَمَنَّهم علي بذلك هو شيخنا شهباز الإصلاحي رحمه الله تعالى، فلم أرَ نظَّارًا مثله شرقًا ولا غربًا، ولا مسلمًا أو غير مسلم،

قالوا: نراك لا تتعب من ذكر فضله عليك، ووددنا لو قدَمت إلماعةً من سيرته،

قلت: هو العلامة الكبير المفسر العظيم المحقق الفريد شهباز الإصلاحي بن محمد حبيب بن ألطاف حسين بن نعمت ميان، أحد الأذكياء الألباء والنافذي البصيرة النبهاء، اشتغل بعض أجداده قاضيًا في جونفور أيام الملك الصالح أورنك زيب، وكان أبوه محمد حبيب من أثرياء زمانه، حبيبًا لدى أهل قريته مسلمين وهندوسا، محبا للصالحين، من مريدي الشيخ آسي الغازيفوري، وأنشأ مدرسة مهتمًّا بشؤون المسلمين التعليمية والدينية.

ولد شيخنا في قرية بجوته من أعمال سيوان في ولاية بهار من الهند سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وألف تقريبًا، وأخذ عن أخيه وبعض العلماء في قريته، وشارك أخاه في حركة تحرير الهند وهو في الثانوية مشاركة فعالة، واطلع على مؤلفات للأستاذ أبي الأعلى المودودي، فتأثر بها وأعجب بها أيما إعجاب، وترك الدراسة في المعاهد العلمانية الرسمية، والتحق بمدرسة دينية في كانفور، ثم التحق بعد سنة بمدرسة الإصلاح في سرائي مير بأعظمكراه في الخامس من ذي القعدة سنة ست وستين وثلاث مائة وألف، وتخرج فيها في الرابع والعشرين من شعبان سنة سبعين وثلاثمائة وألف، درس على صدر الدين الإصلاحي، وجليل أحسن الندوي، ومصطفى الندوي، وعبيد الله الرحماني، وآخرين، ولازم أختر أحسن الإصلاحي تلميذ الإمام حميد الدين الفراهي ملازمة خاصة، واستفاد منه منهج الإمام الفراهي وفكره في التفسير، وروى عن العلامة المقرئ محمد طيب القاسمي، والإمام أبي الحسن الندوي، والشيخ عبد الفتاح أبي غدة، وقد أجازوه إجازة عامة.

وتقدم في اللغات العربية والفارسية والأردية تقدمًا كبيرًا، وأتقن اللغة الإنكليزية، وعرف بتمكنه من التفسير وعلوم القرآن الكريم، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والحساب، والاقتصاد، والسياسة، والشعر، والعروض، والنقد، وكان يحفظ مئات من الأبيات في اللغتين الأردية والفارسية، ويجيد الشعر باللغة الأردية.

واشتغل بالدعوة والإصلاح، والتأليف والكتابه، والتدريس، وأخيرًا عزل نفسه عن كل شيئ إلا التدريس، وكان لا يألو جهدًا في نفع الطلاب وإفادتهم، ولا يشعر في ذلك بتعب ولا ملل، درَّس في جامعة الفلاح بأعظمكراه، ثم الجامعة الإسلامية ببتكل، وأخيرًا في دار العلوم لندوة العلماء، وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وألف، ولم يأخذ إجازة قط إلا في أيام مرضه. وبايع العالم الرباني وصي الله الفتحفوري، ثم شيخنا أبا الحسن الندوي، وصحب الشيخ سعيد أحمد خان من أعظمكراه، والعالم الرباني أبرار الحق، والعالم الرباني محمد صديق الباندوي، وكان – أي شيخنا المترجم له – زاهدًا، متواضعًا، محبا للعلم وأهله، مخلصا، بعيدًا عن تشهير نفسه أو التصدر للرئاسة، ومؤثرًا لحياة التقشف، وخادمًا للطلاب وعامة الناس.

قرأت عليه أصول الشاشي، وتفسير سور من القرآن الكريم، وكتاب الصوم والاعتكاف من موطأ الإمام مالك، وكتاب الزكوة من صحيح مسلم ومقدمته، وكتاب الأدب من سنن أبي داود، وحضرت مجالسه، وصحبته طويلاً، وناقشته في المسائل العلمية والأدبية والفكرية والسياسية، واقتبست منه كثيراً من آرائه وتشرفت برسائل منه إلي، أجاب فيها عن بعض أسئ لتي، وشجعني على العلم والتحقيق، وله عليّ منة كبيرة في تعليمي وتربيتي لن أنساها، فجزاه الله تعالى خيرًا، أجازني بجميع مروياته في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة تسع عشرة وأربع مائة وألف، وذلك في رسالة كتبها إلي، ولا أراه أجاز أحدًا غيري، وتوفي إلى رحمة الله تعالى في الثالث من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة وألف فلم يخلف مثله.

قالوا: ما مبلغه في النظر والتفكير

. قلت: قد بلغ في النظر ذروته، لم يكن يقلد أحدًا في العلوم والأفكار، بل كان محققًا فيها ومجتهدًا، ولا سيما في التفسير، ولعل الهند لم تشهد مثله في فهم كتاب الله تعالى بعد الإمام حميد الدين الفراهي.

قالوا: ما هو منهجه في النظر؟

قلت: هو الاستقراء وفحص الفروض والسبر والتقسيم، فكان يجمع بين الأجزاء المختلفة والوجوه، ويحصر الأوصاف، ثم يحللها تحليلا علميا دقيقا، بعرض كل وصف أو سبب أو وجه على الميزان الصحيح، وتعيين ما كان وصفا أنسب أو سببا ألأم أو وجها أوفق، وكان أبعد الناس عن غموض في الفكر والنظر، مقرِّبا بين المتوافقات والمتماثلات، ومفرقَا بين المتخالفات والمتنافرات.

قالوا: ما هو أسلوبه الذي كان يتبعه في تعليمكم النظر الصحيح؟

قلت: كان يتبع أسلوبين، وكلاهما نفعنا نفعا لا يوصف مداه،

قالوا: ما هما؟

قلت: الأول: إظهار الخلل في أنظار من سبقه من العلماء والفلاسفة والحكماء، فكان يوجه إلينا السؤال عن معنى آية أو حديث أو جزئية فقهية أو رأي أو فكرة أو قضية من القضايا، ثم يكلفنا أن نأتي بالحجة على قولنا الذي اخترناه من بين سائر الأقوال، فيكشف لنا عن موضع الخلل والفساد فيما اخترنا، فنستبدله بقول آخر فينقضه ويبطله إبطالا، فما قدمنا من رأي أو وجه مستعار ممن تقدمنا من العلماء، أو رأي رأيناه إلا نقضه نقضا علميا مقنعا.

الثاني: تقديم القول الذي كان يراه صحيحًا مبرهنا عليه بالنقل والعقل ومحتجا له بسواطع الحجج وبواهر الأدلة، فإذا وجهنا سؤالا أو أوردنا إشكالا أو اعتراضا على قوله، أبان عن مبانيه وأسسه إبانة، ووهَّى إشكالنا واعتراضنا وهدمه هدما.

قالوا: هل اتسم بشيء من معايب المناظرين والمجادلين؟

قلت: لا، بل كانت مناقشاته مناقشات علمية هادئة، في رفق وتأن، وصبر واحتمال، ولم يفرض علينا قوله أو رأيه قط، وكان نزيها عن العصبيات المذهبية والعقدية والفكرية، ومترفعا عن المشاكسة والخصام والعناد ترفعا.

قلت: تأملوا ما وصفت لكم من منهجه متدبرين، ودرِّبوا أنفسكم على النظر العلمي تدريبا حابسيها عليه مصطبرين.