Select Page

بسم الله الرحمن الرحيم

من علمك النقد الأدبي؟

بقلم: محمد أكرم الندوي

أوكسفورد

 قالوا: ما النقد الأدبي؟ قلت: هو دراسة للأعمال الأدبية وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها والكشف عن محاسنها ومقابحها وما فيها من قوة وضعف ولون وجمال، وهو بكلمة أخرى تقدير النص الأدبي تقديرا صحيحا وبيان قيمته ودرجته وتحليل أسلوبه

 قالوا: ما الأسلوب وما تحليله؟ قلت: الأسلوب هو المسلك الذي ينتهجه الأديب أو العالم أداء لمعنى من المعاني. وتحليله هو دراسة عناصره تفريقا (أي كل عنصر بمفرده) وجمعًا (أي العناصر كلها مجموعة) ، قالوا: ما عناصره؟ قلت: هي أركان العمل الأدبي ودعائمه من الفكرة، والعاطفة، والخيال، والصورة. قالوا: اشرح كل واحد من هذه العناصر شرحا، قلت:

الفكرة هي ما يساور عقل الأديب من أفكار تعمل في تهذيب المعاني وتنسيقها وترتيبها، وتنبع الفكرة من موقف الأديب من الحياة ومظاهرها الإنسانية الطبيعية والمصطنعة

والعاطفة هي شعور نفسي للأديب، يرى شيئا ويطلع عليه فتثور في نفسه ثائرة من التجاوب معه، مثل الرضا والغضب، والحب والكراهية، والفرح والحزن، والأمن والخوف وما إلى ذلك من جوانب النفس الإنسانية الكثيرة، فالعاطفة تعتمد التناغم والانفعال والتساوق والانسجام

والخيال هي الموهبة التي يصور بها الأديب ما يدور حوله مستعينا بتجاربه الخاصة مستخدما طرق التشبيه والتمثيل والمجاز والاستعارة والكناية

والصورة هي لباس من الألفاظ والعبارات لعمل أدبي، يمكن بها للسامع والقارئ النفوذ إلى المعاني والحقائق، وتشتمل على كلمات اللغة وجملها وتراكيبها وما يتعلق بها من تعبير لفظي وأداء شكلي

قالوا: من تعلمته منه؟ قلت: تعلمته من شيخنا سعيد الرحمن الأعظمي مدير ندوة العلماء، وذلك من خلال تدريسه إيانا كتاب الأدب العربي بين عرض ونقد للشيخ محمد الرابع الحسني الندوي، والشعر الإسلامي، قالوا: ما هذا الكتاب؟ قلت: هو كتاب يتحدث عن حقيقة الأدب، وتحليل النصوص الأدبية ونقدها، ونماذج الأدب العربي في مختلف أدواره مع بيان قيمتها الفنية، قال عنه الأستاذ أحمد الجندي: “إن هذا الكتاب على صغر حجمه يعتبر خدمة جليلة لطلاب الأدب في بلد غير عربي، وخلاصة مفيدة لأدبنا، وهو يستحق لهذا كل تقدير وإعجاب”. وقال عنه شيخنا أبو الحسن علي الندوي: وها أنا ذا أشعر بهذه الكرامة وبهذه اللذة والغبطة من جديد حين أقدم لهذا الكتاب الذي يسد حاجة وفراغاً في مكتبة تدريس اللغة العربية والأدب العربي في الهند… وهو الكتاب الذي يجمع بين النصوص الأدبية وبين لمحة من تاريخ الأدب العربي، وما مر به من أدوار وأطوار، وما واجهه من نزعات وتيارات وأحداث وعوامل، تسبغ عليه لونا جديدا

قالوا: أفدنا بترجمة شيخك، قلت: هو العلامة اللبق، الأديب اللوذعي، والخطيب الألمعي سعيد الرحمن الأعطمي الندوي بن الشيخ أيوب بن الشيخ محمد صابر بن الشيخ محمد أحمد بن الشيخ محمد جيوه من أهالي قرية بختاور كنج من مدينة مئو، وأبوه الشيخ أيوب الأعظمي عالم كبير، زرته، وهو من تلامذة العلامة أنور شاه الكشميري، تخرج من دار العلوم بديوبند سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف، ودرَّس في مفتاح العلوم ببلدة مئو، وعمل شيخًا للحديث في مدرسة تعليم الدين بدابيل

ولد شيخنا في الرابع عشر من شهر مايو سنة أربع وثلاثين وتسع مائة وألف (وما في شهادته من سنة ست وثلاثين فخطأ)، وأخذ عن والده مشكاة المصابيح، وصحيح مسلم، والهداية ومختصر المعاني في مدرسة مفتاح العلوم بمئو، والصحاح الستة عن المحدث الكبير الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي واستجازه، وأجازه أيضًا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي بالمسلسلات وغيرها، والعلامة تقي الدين الهلالي (وأخذ عنه الأدب العربي والسليقة الكتابية)، والإمام أبو الحسن علي الندوي، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة

قرأت عليه الأدب العربي بين عرض ونقد لشيخنا محمد الرابع الحسني الندوي، ومنتقى من ديوان حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لسماحة الشيخ أبي الحسن علي الندوي، وتعلمت منه الإنشاء والكتابة باللغة العربية، وكتب لي بإجازته العامة في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة وألف، وله مؤلفات طيبة أدبية وإسلامية تدل على عمق البحث وقوة الحجة وفصاحة الأسلوب وبراعة العرض

قالوا: اذكر لنا من مزاياه. قلت: هو مثل للعالم الندوي الغيور على دينه، المحافظ على كرامته، الرزين في مظهره وزيه، وهو المالك لشخصية قوية، وهو بين تلامذته الأب الوقور، يلازمه سمت هادئ مهيب في شكله وقوله، وهو ممن يؤثر الاتباع ولا يرضى عن الابتداع، ولعل أهم مزاياه ثلاث

الأولى: نشاطه الدؤوب، وسعيه المتواصل، وكده الملح، ومواظبته على أعماله من التدريس والإمامة والخطابة والإدارة، وتقيده بالمواعيد والتزامه لها التزاما، يدخل الفصل الدراسي عند بداية الحصة، ويخرج منه عند انتهائها، غير مخل بالنظام، ولا سامح لأحد بأي عبث أو عصيان، ت

غشى الطلاب سحابة من الرزانة والزماتة والهيبة عند رؤيته، ويدخل المسجد قبل موعد الجماعة، فيقيمها على وقتها، وهذه سيرته في الصيف والشتاء، وساعات الرياح الشديدة والعواصف الهوجاء، وتدفق الأمطار، وفي الفيضانات والسيول

الثانية: سرعته في الكتابة وبديهته في الخطابة، وهو عالم بالعربية وملم بشؤونها إلمامًا عظيما، وله قلم بارع قدير، وكتابته من قبيل السهل الممتنع، ويلقي الخطبة بصوت مهدج جياش يصل إلى النفوس، وتنساب الكلمات على لسانه انسيابا، وهو فيما يكتب ويخطب حريص على اللغة العربية الفصحى، بعيد عن العجمة ولحن الكلام، وكنا نعجب كيف يستطيع الشيخ رغم شواغله التدريسية والإدارية أن يطالع ويفكر ويخطب ويكتب، وإن لخطبه لدورا كبيرا في إزجاء سحاب اللغة العربية على ساحة ندوة العلماء، وتحويلها إلى سوق عكاظ أو سوق مجنة وذي المجاز، تلتقي فيها فصاحة نجد ببيان الحجاز

الثالثة: حرصه على نفع الطلاب، ومن حرصه على نفعهم أنه كان يدرسهم في منزله خارج دوام دار العلوم، يقرأ الطلاب عليه بعض الكتب الأدبية والفكرية، فيصحح لهم قراءتهم لغة ونطقا، مشدداد عليهم أن لايخرجوا عن الفصيح المختار في النطق والأداء والكتابة تشديدا، ومعنفا عليهم تعنيفا

قالوا: هل حضرت دروسه خارج بيته؟ قلت: لم يتفق لي ذلك إلا مرة ومرتين، وكان من أعظم الطلاب مواظبة على هذه الدروس من زملائي: محمد حشمة الله الندوي، وخالد بركة علي، وضياء الدين الأعظمي، وغيرهم

 قالوا: هل انتفعت به خارج الفصول الدراسية؟ قلت: نعم، كنت أجلس إليه أحيانا في مكتب مجلة البعث الإسلامي التي يرأس تحريرها، فكان يبعثني على الكتابة في المجلة، ونشر لي عدة مقالات وترجمات فيها، وقد كان يسألني أن أساعده في تصحيح بعض المقالات التي تنشر في المجلة وهي لا تبلغ المستوى المناسب المطلوب، وقاربته لأن زميلنا وصديقنا محمد عبد الحي الندوي كان مديرا لمكتب المجلة، فأزوره فيه وأتصفح المجلات والصحف العربية، وانتفعت بذلك انتفاعا كبيرا، وجزى الله شيخنا الكريم وأثابه بأكثر مما عمل وسعى، وبارك في حياته ورفعه الدرجات العلى